الثلاثاء , 12 ديسمبر 2017
arfr

أهمية التربية الروحية في تحقيق السعادة في الدارين

ألقى الشيخ سعيد ياسين، شيخ الطريقة الصوفية العلوية المغربية، في رحاب ضريح المولى إدريس الأكبر، كلمة بالمناسبة تناول فيه بالشرح قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمومنين رحيما)، من خلاله نبه الحاضرين إلى أهمية التربية الروحية في تحقيق السعادة في الدارين. وفيما يلي نص بأهم ما جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله،
أيها الأحباب
شاء الله تعالى أن يجمعنا في هذا المكان العظيم، في مقام مولاي إدريس الأكبر الفاتح الموحد والمجدد، فالله عز وجل قد تكرم به على بلدنا، المغرب الحبيب، ﻷجل تجديد الإيمان ولم الشمل وتوحيد الكلمة، فالمشيئة والإرادة في يده سبحانه وتعالى، (وما تشاءون إلا أن يشاء الله).
أيها الأحباب
هذا فضل من الله ونعمة، فهذه نعمة عظيمة من الله، إذ هذا المجمع ينعقد بفضل من الله، فهو من كرمه وخيراته علينا، لهذا أحباب الله، علينا بمزيد من الحمد والشكر الواجب لله، ﻷننا إذا حمدناه بعقولنا وأرواحنا وبكامل ذاتنا، فالله سبحانه وتعالى يديم علينا هذه النعم.
إن هذه النعمة الروحية، ونعم الله كثيرة على خلقه، (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، هي من أهم النعم، ومن أحبه الله وهبه هذه النعمة.
أيها الأحباب
الحاصل على هذه النعمة الروحية يعيش حياة طيبة، فيكون من الذاكرين الحامدين الشاكرين الطائعين لله رب العالمين.
فالله عز وجل أمرنا بأمره الرباني أن نذكره ونسبحه: (يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا، هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وكان بالمومنين رحيما).
فهذا أمر إلاهي، وليس أمرا لفلان أو فلان، ولمن؟ للمومنين وليس للمسلمين، (قالت الَاعراب آمنا قل لم تومنوا ولكن قولوا أسلمنا)، إنه لأهل الإيمان، لمن تمكنت محبة الله ومحبة رسوله من قلوبهم، فإن كنت مومنا فعليك بذكر الله.
أيها الأحباب
جل الطرق الصوفية في وطننا الحبيب وفي البلاد الأخرى، فاضت عيونها من هذا المدد الطيب لتسقي العالم، لهذا فمشايخ التصوف ورجال التصوف وأهل الله في استجابتهم لهذا الأمر الإلاهي (يا أيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثير)، أسسوا هذه المجامع، سواء أسبوعيا أو شهريا أو سنويا، لاجتماع المومنين لأجل ذكر الله تعالى.
والله أمرنا في هذه الآية الشريفة بذكره ذكرا كثيرا، ذكر كثير وكثير، والأذكار أنواع، ذكر العامة وذكر الخاصة وذكر خاصة الخاصة. فذكر الأنبياء خاص بالأنبياء، وذكر الأولياء خاص بهم، وذكر العامة وهو ذكر وأهل الله سنوا سنة السبحة، إذ عملوا السبحة لتسبيح الله تعالى، وهو استجابة ﻷمر إلاهي والآية فيها: (سبحوه بكرة وأصيلا)، وفي القرآن ألفاظ التسبيح:
سبَِحَ، يُسبحُ، سَبحْ، فهو أمر إلاهي جاء في الكتاب العزيز، فيا أيها المؤمن: سَبِّحْ لله كما يسبح كل شيء لله في كوننا هذا، وفي كل الكائنات، وفي كل العوالم، إذ كل شيء يسبحه ويقدسه ويعظمه.
فحتى السبحة تسبح معك، ﻷنها خشب، (والنجم والشجر يسجدان)، فهي ساجدة ذاكرة معك لله تعالى. وقوله تعالى: (وسبحوه بكرة وأصيلا)، أمر من الله بتسبيحه في الصباح والعشي.
أيها الأحباب
تتمة الآية تبين لنا المقام الذي يناله الذاكر لله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور)، فعظمة الذكر أوصلت صاحبه إلى المقامات العلى، وتغمرك حين يصلي الله عليك البركات والرحمة والغفران والرضوان.
ويزيدك بالصلاة عليك محبة وإيمانا وتقربا، (فإن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم). وكونك من المقربين يشفق الله عليك ويعطف عليك ويرحمك ويكرمك في الدنيا وفي الآخرة، وبهذا نكون سعداء في هذه الحياة الدنيا وفي الآخرة (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور).
فكذالك الملائكة تصلي عليك، وهي من عباده تعالى، وكما تحب الله يحبك، وكما تتقرب إلى الله يتقرب إليك، وكما تتواضع لله يرفع من شأنك، وأين الله تعالى؟ إنه عند المتواضعين والمنكسرين لجلاله، كما في الأثر: «أنا عند المنكسرة قلوبهم .»
فالمتصوفة وأهل الله يسمون بـ”أشياخ التربية”، ﻷنهم يربون المسلم والمومن على التواضع وعلى المحبة، وعلى الاستقامة وعلى التقوى، بهدف تزكية النفس (قدَ افْلح من زكاها وقد خاب من دساها)، لتكون نفس مطمئنة راضية مرضية (ياأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي).
فمن أكرمه الله تكون نفسه على هذا الحال، مستقيمة مطمئنة، راضية مرضية، وطائعة لله طيبة زكية بفضل من الله، إذ لا حول ولا قوة لنا إلا بالله.
وقوله عز من قائل: (ليخرجكم من الظلمات إلى النور)، والمقصود بالظلمات ظلمات النفس والعياذ بالله، وهي ظلمات بعضها فوق بعض، ولا تنجلي إلا بأنوار الأذكار.
فالإنسان الذي يذكر الله تعالى ويقدسه ويسبحه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويقرأ كلام الله، يتنور قلبه.
فالعقل يتنور، والقلب يتطهر، ولا تبقى أي ظلمة، ﻷن القرآن في الدواء والشفاء لكل الأدواء بكل أنواعها، وﻷن الأنوار المحمدية تمحو الظلمات.
أيها الأحباب
كل هذا بفضل ذكر الله تعالى، فالله رحيم وكريم، وعلينا أن نتوجه إليه، بما استطعنا، ليزيدنا الله نورا ورحمة، ويزدنا محبة فيه وفي رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يتحقق في مجالس الذاكرين، ﻷن مجالس الذكر مثل هذا المجلس وهذا المجمع هي روضة من رياض الجنة في هذه الحياة الدنيا، (ولمن خاف مقام ربه جنتان) في الدنيا وفي الأخرة.
ومعنى الجنة أنه مكان فيه السعادة، وهل هناك سعادة في غير هذه المجالس وهذه الملاقاة وهذه المجامع، خصوصا في هذا المكان في هذا الضريح الطيب، في اماكن بها اولياء الله وأهل الله المجددين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *